|
في أحد أيام شهر رمضان المعظم من العام 1972 وقبل موعد الافطار بقليل كانت الخامسة تهيء الطعام وكان اولادها الثلاثة إلى جانبها يفذون موقد النار بين الحين والآخر بأعواد الحطب بشىء من اللهو واللعب فأكبرهم لم يتجاوز الثامنة من عمره ورغم الفقر والفاقة إلا أن السعادة كانت تلفهم مع كل الأشياء التى كانوا يملكونها من متاع دينوي(حمار وسبع نعجات) وبيت من اعواد نبات السبط يسمي (الكيب) يوفر الحماية يلقبونه برق اقترب موعد(حل الفطر) وشعرت الخامسة أن الحمروني تأخر في العودة هذا اليوم لكنها لم تنسى ترتيب اشيائه حسب العادة فالشاي وعلبه السجاير ..والوقيد.. وطابون الجمر .. كلها جاهزة .. وسمعت صوت الحمروني وهو ينادي على أبنه الأكبر لربط برق بمدخل .. زريبة الشواهي... وجلسوا جميعاً على .. ما كتب الله من نعمة.. وشعر الحمروني بألم كبير بكتفه الأيسر وأحست الخامسة أن زوجها ليس على ما يرام .. اصفر وجهه وتصبب عرقاًً وهو يقول لها..ردي بالك من الصغار..نحس في روحي بنموت.. قامت المسكينة وحاولت تدليك كتفه بزيت الزيتون لكنه تراخى برأسه وبقى بوضع السجود بعد نظرة وداع طويلة فى وجوه أولاده الثلاثة مقرونة بوصية ..نبيكم رجالة.. وغادر الدنيا..ولم تجد الخامسة خياراً أمامها سوى الوفاء لزوجها برعاية نفسها وأولادها ليكونوا رجالاً كما أراد لهم والدهم..واليوم ها هي الخامسة بأولادها الرجال الثلاثة واحفادها ترفل بأبهى حلل السعادة والهناء لولا كيد أعمام ابنائها الذين استيقظوا بعد كل هذا الزمن الطويل للمطالبة بحصة الميراث والتى تساوي الثلث كاملاً غير منقوص فيما ترك الحمروني لأنه غادر الدنيا قبل والديه...ولأن سوء حظه جعل من مكان ملكه فى هذه الدنيا ما يساوي الملايين من الدينارات فى يومنا هذا بتأثير التغيرات والتبدل وكارثة التكدس والازدحام السكاني بمناطق دون سواها رغم اتساع رقعة الوطن وأهليتها التامة أن تكون كلها موطناً للبناء والاعمار .. فكم يا ترى لدينا من القصص المتشابهة لهذه .. الخرافة.. بمجتمعنا الذي تحول بعض أناسه للأسف الشديد إلى عباد للدينار يسعون بكافة الوسائل لنيله ولو على حساب فقدان الترابط والتأخي وغياب المحبة فالخامسة وابنائها بما حفظت بذاكرتها لم تجد بعد رحيل الحمروني من اولئك الذين يناصبونها العداء سوى الغمز واللمز والتودد للفوز بها (كضرة) بحجة العناية والرعاية بها وبأولادها ولم تجد في يوم من الأيام من يسألها عن حاجة اولادها بدراستهم أو حياتهم وها هي اليوم تجدهم أمامها هي وابنائها يقفون صفاً واحداً للمطالبة بثلثهم كحق شرعي عرفوا به ..شرع الله..وحفظوه عن ظهر قلب..وغير هذا فيقين أنهم وكأنهم لم يمر على سمعهم قول الله تبارك وتعالي (فأما اليتيم فلا تقهر)..ولا أظن أن ما بعد هذا القهر قهر .. دمتم والسلام عليكم |