تــــأملات...

 أ . عمر الحامدي

    

الثـورة الإسـلامية في إيـران

 تحية وحوار في عمر الثلاثين

 

 

احتفل الشعب الإيراني الشقيق بالذكري الثلاثين لانتصار الثورة في إيران بقيادة الإمام المجاهد روح الله الموسوي الخميني رحمه الله ، وهذه مناسبة هامة وتاريخية تفرض على جميع المسلمين الاحتفاء بها مهما كانت وجهات نظرهم أو خلافاتهم المذهبية أو السياسية لأن هذه الثورة قام بها الشعب الإيراني الذي أذله حكم الشاه المتغطرس المتحالف مع الإمبريالية والصهيونية ووظف قدرات إيران وموقعها لمصالحه ومصالح أسياده أعداء الإسلام والمسلمين .

 

، ومن جهة أخرى فان الشعب الذي قام بعدة انتفاضات عبر عقود كاد يلحقه اليأس بعد أن ضعفت القوي الوطنية واستولى الإمبرياليون والصهاينة على الجيش الإيراني الذي سيطرت عليه المخابرات الغربية والأمريكية على وجه الخصوص بالتعاون مع الموساد الصهيوني وجعلوا منه خامس جيش في العالم موجه لخدمة أعداء الإسلام وحراسة مصالحهم في المنطقة وفي مقدمتها النفط ويعرف كل متابع  إن نظام الشاه حليف أمريكا والعدو الصهيوني كان معاديا للأمة العربية على مختلف الصعد ويكفي انه معاد للإسلام الذي حملته الأمة العربية بتكليف الرحمن الرحيم إلى العالمين وفي مقدمتهم الشعب الإيراني الذي كان لدخوله في الإسلام احد ابرز علامات نجاح الدعوة المحمدية والمساهمة الهامة في تبلور مشروع الحضارة العربية والإسلامية .وفوق ذلك فالشاه كان معاد لقضية فلسطين بل ومتحالف مع الصهاينة ومعروف أن نظام الشاه الذي كان يهدد البلدان العربية المجاورة لإيران قد احتل الخليج العربي وزرع ( فتنة ) الجزر حتى تبقي شوكة في خاصرة العلاقات الحضارية التاريخية بين العرب وإيران ومما يزيد من أهمية الثورة الإيرانية التي سجلت أول إبداع ثوري شعبي في القرن العشرين ( بعد الثورة الفرنسية ) في القرن التاسع عشر ودكت أقوى نظام رجعى خادم للاستعمار والصهيونية وصفت بذلك مصالح كبرى لأولئك الأعداء في إيران ، فوق ذلك فان الثورة الإسلامية في إيران التي نحييها اليوم ونحتفل مع شعبها بهذه الثورة التاريخية المهمة للعالمين العربي والإسلامي ( رغم ما أشرت له مما قد يكون لدي البعض من تحفظات يمكن مناقشتها ).. تلك الأهمية ترجع للقيادة الثقافية والدينية التي أبدعها الإمام الخميني ولا بد من التوقف هنا قليلا ، فمعروف أن إيران المسلمة تحولت إلي المذهب الشيعي منذ حوالي الثلاثة قرون ( وقبل ذلك كانت " سنية " ) وهذا المذهب هو ألاثنى عشري الذي يدين لأهل البيت بفضلهم وينحاز إليهم باعتقاد مطلق بأنهم الأخيار الأبرار ويجتهد في أن شأن المسلمين ينبغي أن يكون لأهل البيت وقد أنتج نظرية في الحكم المبني علي شرعية أهل البيت الذين ليستمر برسالتهم نقاء أئمة مجتهدون وقد استمر ها المنهج على  اتفاق كامل علي دور الأئمة الذين عبر صيرورة ونضال تاريخي رسخوا المذهب الشيعي الاثنا عشري وحقهم في الإفتاء واخذ نصيب ( الخمس ) من دخل المجتمع .

لكن الشيء الجديد الذي أتي به الإمام الخميني ( رحمه الله) هو تغليب نظرية ولاية الفقيه التي كانت معروفة لكنه أعطى لها الأولوية وانتزع بقوة فكره وصلابة أرادته تأييد مجموعة من الفقهاء إلي رأيه الذي صاغه نظرية في الحكم وسلاحا لا يفل واجه به نظام الشاه وأشعل ثورة شعبية عارمة قوامها ملايين من الشعب الإيراني التي زحفت كالطوفان على مدن وقرى إيران فأرعبت الشاه العميل عدوها وعدو الإسلام فولّى هاربآ وأفسحت في المجال للإمام المهاجر والمطرود من العراق والمستقر مؤقتا بفرنسا بالعودة التاريخية للقيام بقيادة هذه الثورة الشعبية الإسلامية التي كنست حكم الشاه واضطرته إلي الهروب وفتحت الباب للإمام قائد الثورة للوصول إلى طهران لإعلان بدء تاريخ جديد لإيران الإسلامية ، ومعروف أن شاه إيران قبل مغادرته أمر بإطلاق النار فمات الآلاف وجرح عشرات الآلاف ولكن للحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق كما قال الشاعر .

هكذا إذن حمل عبر الثورة الشعبية في إيران الإمام الثائر صاحب نظرية ولاية الفقيه إلي السلطة ليؤسس لنظام حكم جديد علي أنقاض نظام الشاه ، ولكنه نظام فعلا جديد ( قد لا يكون مطابقا لمنهج الاستقلالية الحضارية ) وقد نعود لمناقشة ذلك لأنه استعار أشكال الحكم في النظام الليبرالي من الأحزاب والبرلمان والجمهورية الخ .

لكن رغم ذلك قام بتحول تاريخي حسم الكثير من المعطيات منها :-

* فتح الباب واسعآ أمام جماهير الشعب العادية لتمارس دورها

* أطلق العنان للفقهاء والعلماء والطلاب إن يقودوا هذه الثورة الشعبية ووهذه سابقة تاريخية لم تحصل منذ الفتح الإسلامي في إن يقود علماء الإسلام الدعوة والبناء على أساس ( السابقة والابتلاء )، قانون الحضارة العربية والإسلامية في التقييم وتولى المسئوليات

* سمح بالتنافس بين التيارات السياسية بل وتحالف معها ولكن في إطار المسئولية الاستراتيجية للثورة الإسلامية بقيادة الأمام الخميني وهو ما ظهر أثره بعد ذلك عندما اشتدت الخطوب وادلهمت مواربة الدروب وأصبح مصير الثورة في الميزان

* حينها أعلن الأمام الخميني بدون مواربة أن ولاية الفقيه وحدها ستكون نظرية الحكم في الدولة الجديدة وحرية الرأي والممارسة مكفول في حدودها وإطارها . وحصلت بعد ذلك تطورات كثيرة لا تزال تفعل فعلها في الواقع الإيراني حتى اليوم من مثل طرح مشروع الثورة الإسلامية والذي ترجمه المختلفون معه بأنه تصدير للثورة وخرق للقانون الدولي ، وتهديد للآخرين حرصت إذن بمناسبة الذكري الثلاثين للثورة الإسلامية في إيران أن اكتب هذه الكلمات في نطاق الواجب الذي يطوق أعناق كل فرد مسلم تجاه الإحداث المهمة في القرن العشرين .

 وهو ما يستوجب التحية والاحتفاء خاصة وان هذه الثورة لا تزال تواجه التحدي الإمبريالي الصهيوني الذي هو عدد مشترك لجميع العرب والمسلمين وان يحظى ذلك بالأولوية ويتجاوز ما عداه من اختلافات أو مشاكل أو تناقضات ولابد هنا من التأكيد إن الأمة العربية علي مستوي الجماهير والقوي الحية وخاصة ثورة الفاتح العظيم في ليبيا تضامنت بل وانحازت إلي جانب الشعب الإيراني المسلم ضد الشاه الدكتاتور والعميل ، ومنحت الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني الدعم السياسي والإعلامي وان اختلفت بعض المواقف بعد انتصار الثورة ونشوب الحرب مع العراق  ويهمني هنا إن أوضح ليس معنى احترام الثورة الإيرانية وتقديرها ودعمها في مواجهة الأعداء المشتركين و الاحتفال بذكراها ، إن نسقط أي خلاف معها أو عدم مناقشة ما قد يشوب العلاقات من مشاكل وتناقضات  واعد الإخوة القراء إنني سأكتب في مقال لاحق رؤيتي للثورة الإيرانية والعلاقات العربية الإيرانية في إطار علاقات الإخوة بين جميع الشعوب الإسلامية وأهمية مناصرتها لبعضها وإعداد المناخ لبناء عالم إسلامي  جديد يسهم في إنقاذ العالم من ضلال وشرور وعدوان الحضارة الغربية البائسة وسأنشر للمرة الأولي ما دار بيني وبين الإمام الخميني (رحمه الله ) في 1979/4/20 بمدينة قم مع وفد عربي يمثل وقتها ( مؤتمر الشعب العربي ) ولقائي والوفد بعدد من مفكري ومناضلي الثورة الإسلامية في طهران وكذلك لقائي وأعضاء الأمانة الدائمة لمؤتمر الشعب العربي ببيروت بعضو مجلس النواب وقتها ( رافسنجاني ) الذي أصبح فيما بعد رئيسا للجمهورية

ومنذ ذلك الوقت لم أغير رأيي في احترام الثورة الإسلامية في إيران والوقوف معها ضد أعدائها ، ولكن من خلال موقف حواري نقدي يضع الأمور في نصابها الصحيح وسأوضح ذلك في مقالي القادم

لكن قبل ذلك وبعده لابد من الانطلاق من الاحترام والتقدير وضرورة التغلب علي ما يشوب العلاقات العربية الإيرانية من خلافات وأنا هنا معني بمصالح الأمة وليس بمصالح الحكام واشدد إن التناقض الرئيسي يجمع المسلمين في مواجهة الإمبريالية والصهيونية ، وبعد ذلك الحوار من خلال الاحترام والتكافؤ قادر علي حل جميع الإشكاليات المذهبية والسياسية وحان الوقت لمناقشة العلاقات العربية الإيرانية في ضوء التحديات الداخلية والخارجية من اجل خلق جبهة في وجه التخلف والعدوان والهيمنة وإعادة الفاعلية للحضارة العربية الإسلامية .

وكل التحية للشعب الإيراني المسلم الشقيق ولقواه الحية التي ينبغي أن تضع في بؤرة مهامها مسئوليتها وحدة العرب والمسلمين ضد أعدائهم ولابد هنا من التذكير إن العام الذي شهد قيام الثورة الإسلامية في إيران شهد فرض اتفاقيات معسكر داود وهو ما زاد من حدة التوتر بين الثورة في إيران والحكام الذين أصبح  اسمهم فيما بعد (قوى الاعتدال) ..

ولابد أن توضع الحقائق في نصابها ولا يسمح بتزوير الوعي لدى الجماهير بأن الخلاف سني شيعي وهو في المقام الأول سياسي وعلى المستوى الوجودي للعرب والمسلمين خاصة في هذه الأيام التي تعد فيه الخطط الإمبريالية الصهيونية دهاء وسلاحا لفرض أرادتها ضد إيران وحسم الصراع العربي الصهيوني لمصلحة العدو الصهيوني.

 

 وللمقالة صلة

           الرجوع الى اعلى الصفحة