حديث الاثنين 226

أ.د المهدي امبيرش

 

  

مــن قضــايا النــاس

في المضارعة و البَين

 

   المضارعة ، كما ورد في لسان العرب ، لأبن منظور ، (أن المضارعة هـي المشابهة ، والمضارعة بالشيء : أن يضارعه كأنه مثله أو شبهه .. والنحويون يقولون للفعل المستقبل مضارع لمشاكلته الأسماء فيما يلحقه من الإعراب ، والمضارع من الأفعال ، ما أشبه الأسماء وهو الفعل الآتي والحاضر) ، إن هذه الدلالة المعجمية تنفتح أمامنا على دلالات كثيرة ، أو على ولادات مفهومية هي أكثـر من الدلالة المعجميـة ، وذلك لطبيعة الكلمة العربية التي هي كلمة اشتقاقية ، والاشتقاق هو ما نقابله بالولادة ، فكأن الدلالة الأصلية هي الجذر الذي انفلقت عنه النواة الأولى للدلالة الصوتية الأولى ، فالمضارعة هي مشابهة ومماثلة ليست على وجه الحقيقة ، وفي اعتبار الزمن فإن المضارعة ليست الحضور بالضرورة ، فالمضارع ينفتح على الزمن أي على الآن والآتي معًا ، وفي مقدور القارئ الكـريم أن يـدرك دلالة الآن في العربية ، والتي سبق أن اشرنا إليها في مقالات سابقة ، حيث النون هي حالة انفتاح أي خروجًا من الوضع الماهوي الغيبي الذي نرسمه خطًا في العـربية دائـرة مغلقة (0) ، وأن المد في كلمة (آن) ، هي دليل الامتداد  ، وتأتي النون في العربية كذلك بمعنى الدواة ، أي المحبرة ، والعلاقة بين دلالة النون ووظيفة المحبرة التي بها المداد قريبة أي بمفهوم الامتداد ، فالنون بانفتاحها وإعلانها عن وجودها هي كالنون التي تحوي المداد الذي يمتد بالكلام المخطوط من صاحبه إلى القارئ .

 

وقد ورد هذا المفهوم في فاتحة سورة القلم التي ربطت بين هذه النون وبين القلم والتسطير : " ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1)" سورة القلم ، وحول علاقة الدلالة المفهومية الصوتية والخط في العربية فإن النقطة التي في أعلى النون تتقدم إلى أن تتحول إلى (تاء) ، أي إلى نقطتـين ، ومن ثم فإن (أنت) ، هو تعبير عن بدء العلاقـة بين (أنا) و(أنا) مقابلـة لها ، فالأنت هي هاتان الأناتان ، ومن ثم يبدأ مشروع الخطاب ومشروع الولادة المنفتحة على طرفين ، كل منهما موجب لهذه العلاقة ، او قل لهذه الولادة المفهومية التي نجدها في الأصوات ، كما نجدها في الولادات الطبيعية وفي العلاقات الاجتمـاعية ، فالمثنى في العربية ظاهرة متميزة على كل الألسن ، إذ العربية وحدها من فيها المفرد والمثنى والجمع ، فالمثنى هو بداية الاجتماع ، وكل ولادة هي من زوجين اثنين ، كما ان الكلمة العربية تولد من صوتين ، وهنا يأتي الفرق بين كلمة (آن) ، و(آني) ، وكلمة (آت) ، و(آتي) ، فالنقطة التي فوق التاء هي علامة هذه الولادة وهذا الامتداد ، والظاهرة العامة في اللسان العربي أن أية زيادة في المبنى تدل على زيادة في المفهوم ، وأن المفهوم هو بعض المعنى ، وأن المفهوم هو المدرك أو القابل للإدراك من هذا المعنى ، والقابلية للإدراك هي الممكن ، أما المدرك فهو المتمكن.

   من هنا نعود إلى مفهوم المضارعة في العربية فهي مشابهة لهذا التمكن أو لهذا الوجود الزماني المكاني الآني ، ولكن ليس على وجه الحقيقة ، ذلك أن منهج التفكير العربي ينظر إلى الزمن على أنه (آنات) ، ومـن ثم يتم التفـريق بين الزمـن والزمان ، فالزمن هو (زم النون) ، بالمفهوم الذي أشرنا إليه ، أما الزمان فهو زم لهذه الآن في حالة الامتداد ، ومـن ثم فإن الزمـن هـو حـالة تغـير وصـيرورة وتحول ، والمضارعة من ثم مشابهة ولكن ليست على وجه الحقيقة ، والشيء المهم في دلالة الزمان غير المنقطع في منهج التفكير العربي ، أن المبني هو المتحقق ، أو ما يطلق عليه المناطقة (الماضي) ، والمتحقق غيب ، ولكننا نعيه من خلال لحظة المضارعة ، كما أن المستقبل هو بناء ، أو مبني ، ومن ثم فإن الفعل الأمر هو فعل مبني لهذه الغيبـة فيه ، فكأن المضارع هو ما يربط بين طرفي الغيب ، الذي تحقق ، والذي يتحقق ، ومن ثم جاء المضارع في العربية متحركًا ومتغيرًا بسبب صيرورة وتغير الآن ، إذ لا يمكن أن يبنى المضارع كذلك ، ولهذا نطلق على المضارع بهذا التغير صفـة الإعـراب ، أي أنه معرب ، والإعراب هو الحركة والتغير ، والظاهرة المعروفة في العربية أن العرب لا يبدؤون بساكن ، وكما نعلم فإن السكون هي علامة التوقف الذي هو ضد الحركة والتغير اللذين هما قانون الحياة وميسمها ، من هنا ندرك قيمة المضارعة في ربط العلاقة بين طرفي الغيب أي في تحقيق الوعي والحضور ، ومن ثم فإن الحضور هو ليس المضارعة أو المضارع ، فالحضور أبعد إنه الوعي بكل هذا الامتداد الذي يأخذ بعده من الغيب ، من ثم نطلق صفة الحضاري على هذه الحالة الحضورية الواعية ، في مقابل الانقطاع والتغييب ، كما ان مفهوم الشهادة في العربية تأتي من هذه الحضورية ، ولا يمكن لشاهد أن يشهد إذا لم يكن حاضرًا .

   إن هذا سيقودنا إلى دلالة الظرف (بين) ، والمدهـش أن (البين) في كـلام العرب ، كما أورد ذلك ابن منظور ، في المرجع المشار إليه ، (يأتي على وجهين : أول بمعنى الفرقة ، والثاني بمعنى الوصل ، في قولهم بان يبين بينًا ، وبينونة ، ويورد أبن منظور أن (بين) هذه من الأضداد ويستشهد للبين بمفهوم الوصل قول الشاعر :

   لقد فرق الواشين بيني وبينها :. فقرت بذاك الوصل عيني وعينها

   كما يورد قولاً لقيس بن ذَريح :

   لعمرك لولا البين لا يقطع الهوى :. ولولا الهوى ما حنا للبين آلف

   فالبين هنا الوصل) .

   وعلى الرغم من ان بن منظور يضع البين من ألفاظ الأضداد كما يحلو للبعض وصفها ، ولكن هذه البين التي هي الفصل هي مشروع للامتداد إذا راعينا مفهوم الزمان والمكان في العربية ، وهنا تقترب البين في دلالتها من المضارعة ، فهذا البين أو البون ، مع ملاحظة أن البون حالة انضمام ، أي أنه مسافة وانقطاع في حين أن البين بدلالة الياء حالة امتداد ، أو قابلية للامتداد الذي يسمح بالامتلاء ، حيث نجد هذا المفهوم في ياء المضارعة ، وفي كلمة (يد) ، وفي الياء التي تعطي مفهوم المبالغة الذي هو امتداد كذلك ، كقولنا : (سميع ، وعليم) ، إن هذا البين قابلية كما أشرت للامتلاء ، وفي قوله تعالى : " قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) " سورة آل عمران ، وفي قوله تعالى في وصف المؤمنين في سورة الشورى : " فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ البَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ (39) " سورة الشورى ، أن الكلمة السواء هي التي تملأ هذا البين ، أي تسد الفراغ أو البون بين هذين الطرفين البعيدين عن بعضهما ، فالحوار والخطاب مع أهل الكتاب الذين هم في حالـة البـين ، أو الابتعـاد ، سيسد بهذه الكلمـة السواء ، فيتحول الفصل إلى وصل ، أي إلى هذه المرجعـية التي ينطلـق منـها الحوار ، أو قل مشروع الولادة المفهومية ، ومشروع التفاهم الذي فيه ألف الامتداد التي تدل على الاشتراك والمشاركة ، أي الحوار ضمن حقيقة الدين الواحد التي حدد القرآن معطياتها في وصف الكلمة السواء ، كما في سورة الشورى أن الأمر هو الذي يملأ الفراغ ويفتح مشروع التشاور ، فهذا البين يملؤه الأمر ، أي أن المؤمنين أمرهم شورى بينهم ، من هنا فإن المضارعة تملأ من خلال الوعي الحضوري الفراغ بين طرفي الغيب ، المتحقق والذي سوف يتحقق ، أي أن الذي يتحقق هو هذا المضارع ، كما أن البين لابد أن يمتلئ وإلا تم الفصل والفراغ ، وبهذا فإن منهج التفكير العربي هو منهج وحداني ، أي أنه منهج ينظر إلى الحقيقة باعتبارها واحدًا : الذي تحقق ، والذي يتحقق ، والذي سوف يتحقق ، في حين أن منهج التركيب ، أو الشرك المنهجي يؤمن بالقطيعة وبالتركيب بعد التجزئة ، أي البحث عن لوغوس تركيبي لما تم تجزئته ، وهو بذلك يحدث القطيعة بين طرفين ، وهنا ننبه إلى أن منهج التفكير الأعجمي يقر الصراع بين متضادين تبريرًا للحركة ، ضمن الشكل ، أو الأرغانون ، كما ذهب إلى ذلك أرسطو ، في حين أن منهج التفكير العربي يرى الحركة هي مظهر الحياة ، وأن الحياة تؤسس على الولادة وعلى الامتداد ، لا من خلال الصراع ، بل من خلال هذا التزاوج المفهومي ، ومن ثم كان لسان العربي لسانًا اشتقاقيًا ، كما جاء احتفاء العرب بالنسب والاستخلاف ، والامتداد .

  إن السؤال الذي نطرحه ما علاقة المضارعة والبين بقضايا الناس ؟ ، إن مفهوم القضية هو مفهوم حكمي منطقي ، والمنطق متعلق بهذه الأحكام ، أي أن المنطق هو بمثابة الإيقاف الصوري لحركة الزمان ولامتداد المكان ، ومن ثم فإن الحياة بهذا الانفتاح لا يمكن منطقتها ، أي وضعها كلها ضمن أحكام المنطق ، ولهذا فأن الجملة العربية هي جملة إنشائية أصلاً ، والإنشاء هو خلق وإبداع وتمظهر للمشيئة التي هي الوعي وإرادة الفعل وفعل الإرادة ، ومن ثم فإن الإنشاء أو الجملة الإنشائية ليست جملة منطقية ، أي ليست جملة خبرية ، أي لا يمكن إخضاعها لقواعد المنطق بحكم انفتاحها على الحياة ، ومن ثم جاء الفرق في القرآن بين البيان والمنطق ، فالبيان هو ميسم الإنسان ، حيث يذكر تعالى في سورة الرحمن أنه بمقتضى هذه الرحمة الإلهية خلق الإنسان وعلمه البيان ، مثلما علمه القرآن ، أي القدرة على القراءة باعتبارها قدرة إنسانية منفتحة على الناس وعلى الزمان والمكان :" الرَّحْمَنُ* عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ " سورة الرحمن ، في حين أن المنطق باعتباره أحكامًا وقوانين هو للإنسان وما دونه من المخلوقات ، فكل المخلوقات لها منطق ، والإنسان ضمن هذه المخلوقات ، في حين أن الإنسان وحده الذي ينفرد بالبيان ، وفي الحديث عن سليمان عليه السلام ذكر القرآن الكريم أن الله أنعم عليه بأن علمه منطق الطير : " وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَـيْءٍ إِنَّ هَـذَا لَهُوَ الفَضْـلُ المُبِينُ (16) " سورة النمل ، وهنا نشير إلى أن العربية تفرق بين القول والكلام ، فالقول عام للإنسان وغيره ، في حين أن الكلام هو شأن إنساني ، فالله الخالق يقول ويتكلم ، والإنسان الذي فيه من روح الله يقول ويتكلم ضمن الممكن البشري ، في حين أن بقية المخلوقات تقول ، فالسماء تقول والأرض تقول ، والحشرات تقول ، وغير هذه تقول ولكننا لا نفقه قولها .

من هنا فإن الجملة الإنشائية البيانية عامة ، وضمن البيان يأتي الإبداع الذي لا يجب أن يخضع لقوانين المنطق ، لأن الإبداع هو خروج عن المنطق ، وخروج عن المعقول ، ومن هنا يضع العرب الجنون مقابل العقلانية ، والجنون كما أشرنا سابقًا ليس الخبل ، بل هو القدرة الفائقة على المشاهدة ، أي على مقاربة الغيب ، ووصف الكفار كما ورد في القرآن الكريم ، الرسول بأنه شاعر مجنون ، ليس مفهوم ذلك أنه مخبول ، بل إن حديثه عن الغيب هو تمامًا كالشعراء الذين يتحدثون ضمن هذا اللامعقول أو هذا الغيبي ، أي أن الوصف جاء ضمن فهم العرب للعملية الشعرية وإرجاع الإبداع إلى تدخل الجن ، والجن في العـربية من الغيـبة ، كما هـي في الجنين ، وكل ما جَنّ هو غاب ، وهذا الفهم قريب من فهم الفيلسوف العقلاني أفلاطون للشعر ، ولأنه فيلسوف عقلاني تجريدي كان يتخذ موقفًا من عملية الإبداع الشعري باعتبار الشعر يبتعد عن الحقيقة بدرجتين ، والحقيقة عنده هي هذا المتشيأ المتعقل ، أي هذا الشيء بعد تجريده من شيئيته وتحويله إلى عقل محض .

 إننا بهذا نقارب مفهوم المضارعة والبينية ضمن قضايا الناس ، أي ضمن القضية بمفهومها المنطقي ، وضمن مجاوزة المنطق بمفهوم الحياة المنفتح على الغيب ، وأن الأزمة المعرفية المفهومية قد تأتي من عدم الوعي بالعلاقة بين البيان والمنطق ، وبين الغيب والمضارعة ، وبين الحضور والتغييب والغربة ، وهو ما ستناوله في دراسة لاحقة .

  الرجوع الى اعلى الصفحة