|

حول
مقال :

أ.د المهدي امبيرش
عرب
من الدرجة الثانية ومراقبون في الجامعة العربية ؟!
المشرق العربي وعقدة تقليد الغالب
كم هو دقيق ومدرك لواقع التأريخ وحقيقة التأريخ هذا العربي
المغربي ابن خلدون عندما وصف التاريخ بأنه ديوان مبتدأ
الخبر ، وبأن الخبر هو الذي يوقف عبرات النحيب
، ويخرج الأمة من المقابر
، من فرض الكفاية إلى خارج المقابر حيث الصلاة فرض عين ،
ويتم الاتصال بغيب الأمة ، الذي يتأسس على المبتدأ كما هو
الاتصال بالله بما هو
غيب ، فيبدأ مشروع البشرى ومشروع الفـــرح من جديد .
المشرق العربي
يعيش وضع المقابر ، ويصلي الفجر غسقًا ، وفرض العين كفاية
، وفي المقابر لا يكون إلا البؤس ، وفي المقابر لا يكون
إلا الموت ، حيث الهياكل ، والرمم ، التي حذر الحق تبارك
وتعالى منها عندما قال :"
أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ 1) ) حَتَّى زُرْتُمُ
المَقَابِرَ 2) ) كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ 3) ) ثُمَّ
كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ 4) ) كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ
عِلْمَ اليَقِينِ 5) ) لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ 6) ) ثُمَّ
لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ اليَقِينِ (7 )ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ
يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ "8)
) سورة التكاثر .. وهل هناك علم باليقين أكثر من هذا
اليقين الذي
نشاهده ونشهد عليه كل يوم في المشرق العربي ، وهل هناك
جحيم أكثر من هذا الجحيم الذي يصطلي فيه المشرق العربي ،
وهل هناك سؤال عن النعيم أكثر من هذا الواقع المزري
الذي ربط مستقبل المشرق العربي كما هو ماضي المشرق العربي
بالأباطرة والقياصرة قديمهم وجديدهم ، ويبدو أن عقدة العبد
يمكن أن تورث والمغلوب كما يقول المفكر العربي المغربي ابن
خلدون مولع دائمًا بتقليد الغالب ، وشاهد ذلك في القرآن
بنو إسرائيل الذين حررهم موسى بفضل الله من طغيان فرعون
وزبانيته الذين كانوا يذبحون أطفالهم ويستحيون نساءهم
ويفرضون بخطاب السحر والسحرة الاسترهاب فيخيل إليهم بهذا
السحر أنها تسعى وهي في مكانها لا تريم ولا تسعى ، فيلقي
موسى بعصا الحق التي تستوجب العصيان والثورة ، ويجتاز بهم
البحر الذي كان من المفترض أن يطهر بني إسرائيل من عقدة
العبودية ووصمة الذل والخنوع ، ولكنهم ما لبثوا أن حنوا من
جديد إلى وضع القطيع الذي يقتضي سيدًا يهش عليهم بعصاه ،
وقد يقرّعهم ويجلدهم ، حنّوا إلى الفوم والبصل ، على الرغم
مما أنزل الله عليهم من فضله من المن والسلوى ، فكان التيه
الذي أخرجهم من الوعي بالمكان والزمان ، وعرب المشرق جاءهم
الرسول الكريم ليحررهم من التبعية لفارس وبيزنطة ، ولتبدأ
معركة التحرير للمشرق العربي ، ولكن العملاء هم العملاء ..
والتُبّعُ هم التُبّعُ ، والمُؤامرات هي المؤامرات ؛ ليبدأ
مسلسل التصفية الجسدية ، يغتال عمر ، ويغتال عثمان (
ويغتال علي ، ويسم الحسن ، ويقتل الحسين ، وتكون مذبحة
أبناء الرسول الكريم في كربلاء ، ويظهر العملاء التجار من
الأمويين المرتبطين ببيزنطة فينقلون العاصمة إلى دمشق ،
وينقلب عليهم العملاء من العباسيين المرتبطين بفارس
فينقلون العاصمة إلى بغداد ، حتى صار القول إلى (الشامي
شامي والبغدادي بغدادي) ، ثم يتغلغل الاستعمار القديم إلى
بلاط هؤلاء السلاطين و(الأمراء) المأمورين ، فينقل هؤلاء
ثقافاتهم وبدعهم وزندقتهم ويعملون في الشريعة تحريفًا
وانحرافًا ، ويستمر الأمر حتى اليوم ، حتى مكة هذه التي
أعاد الله لنا بها شرعية قيادة العالم فيرتبط أول بيت وضع
للناس بآخر نبي يبعث للناس ، مكة هذه التي كان من المفترض
يوم الفتح الأكبر أن تنفتح على الناس ، وقد أعلن الرسول
العظيم صرخة الحق ، :" وَقُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ
البَاطِلُ إِنَّ البَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً 81) ) سورة
الإسراء .. فتسقط الأصنام والأوثان ، تنغلق من جديد فتخرج
الأوثان والأصنام والكهانة وإن كانت هذه المرة من لحم ودم
؟ ! .
عرب المشرق لم يتغير في وضعهم شيء إلا إلى الاسوأ ،
فالقبائل القديمة التي ينظر إليها بعدسة التاريخ المحدبة
وقد استبدل التاريخ هذه العدسة بعدسة مقعرة ، نراها دويلات
، وشيوخ القبائل قد صاروا ملوكًا وإن كانوا بلا ملك ،
وأمراء وإن كانوا مأمورين ، رؤساء حتى بلا رؤوس ، وبنو
قينقاع وبنو قريظة هؤلاء الذين استضفناهم يومًا ، فتحولوا
إلى بدعة ، الذين طردوا وحق لهم أن يطردوا لخيانتهم
وتحالفهم مع الكفر وقد صاروا دولة ، والقياصرة والأكاسرة
وإن تبدلت أشكالهم يظلون هم هم ، وإن كان التاريخ لا يعيد
نفسه ، فإن الإنسان قد يعيد أخطاءه ، وبدل أن يسير في
الأرض فيكون النظر يكتفي بأن يمشي على الأرض دابة ليأكل .
من هنا تكون من مهمة عرب المغرب أن يقطعوا علاقاتهم بهذا التأريخ المليء
بالمحن والإحن ، بثقافة العبودية والتبعية ، فهم وحدهم
القادرون على أن يعيدوا نبتة الشجرة الكلمة ، ففي أفريقيا
الشمال تنبت هذه الكلمة فيشتد ساقها عودها ، وفي أرض
أفريقيا حيث الفطرة يكون التيمم بالصعيد الطيب ، لتكون
الأمة الأم ، وتكون الولادة من جديد طاهرة ، وإنسان المغرب
العربي كيوم ولادته ، وقد صعد غرفة المعرفة والعلم ، ومن
عرف اعترف ، ومن علم صار تأتم الهداة به ، ليس بدعًا أن
ينهض المغرب العربي من جديد لهذا المشروع العظيم للأمة ،
فعلى أكتاف أبنائه كان تاريخ الأندلس العظيم المشرق ، بعد
أن تم الخروج من المقبرة ، وبرك الدم ، وصلاة المقابر ،
وعلى أرضه كانت الدولة الفاطمية ، التي ثأرت للحسن والحسين
، بمقدور المغرب العربي أن يعيدها جذعة ، ليبدأ تاريخ
الأمة من جديد ، وليعود المبتدأ من جديد خبره اسم مفرد ،
وجملة فعلية واسمية ، لا شبه جملة ، ولا جملة لا محل له من
الإعراب كما هي جملة المشرق العربي ، في المغرب العربي
يبدأ مشروع الجامعة الجامع ، الجامع الجامعة ، وصلاة
الجماعة التي تُسد فيها الفُرج فتُصلح ذات البين ، ويمتلئ
الفراغ فلا يجد الاستعمار مكانًا للاختراق ، ويتم الخروج
من هذه الجامعة الصنم ، وكفار المشرق درجوا على عبادة
الأصنام متوهمين أنها تقربهم إلى الله زلفى ، وما يسمى
بالجامعة العربية هي الصنم الجديد الذي جاء به الكهنة
والسدنة ليملأوا به الحَرم ، فتخان الدمم ، ويباع الوطن ،
حيث لا ذمة ولا حرم .
الرجوع
الى اعلى الصفحة |