|

حديث في
السياســـــة الـــدولية

د . ميلود المهذبي
أستاذ القانون الدولي
بأكاديمية الدراسات/ طرابلس ــ ليبيا
الحماية الدولية الجنائية لحقوق
الإنسان
الجزء الثالث
لقد تم بأكاديمية الدراسات العليا، قسم القانون ، شعبة
القانون الدولي، مناقشة علنية لرسالة علمية مقدمة
استكمالاً لنيل درجة التخصص العالي ( الماجستير ) في
القانون الدولي . وكان عنوان الرسالة العلمية : " المؤتمر
الاستعراضي لنظام روما الأساسي عام 2010 ومستقبل المحكمة
الجنائية الدولية "، وهى مــقــدمـــة من الباحــثة "
رانيا يحي جابر معترماوي "، وجرت المناقشة علانية يوم
الاحد 06/07/2008 من قبل لجنة مشـكلـة من كل مــن : د .
محمد هاشم مــاقـــورا ( أحد أهم المتخصصين في المحكمة
الجنائية الدولية ) مــشــرفـــاً ورئيــــســاً، و د .
مـيلود عبد الله المهذبي ( أستاذ القانون الدولي )
عــــضــواً مــنــاقــــشــاً، و د . عبد الحفيظ ديكنة (
أستاذ القانون الجنائي، ورئيس قسم القانون بالأكاديمية )
مناقشاً . وقد أجيزت الرسالة العلمية وفقاً للائحة
الدراسات العليا التي أصدرتها اللجنة الشعبية العامة
للتعليم العالي.
2ــ مشروع نظام روما :
نص المشروع على جرائم الإرهاب ضمن المادة الخامسة (5) على
أنها :
لأغراض هذا النظام الأساسي تعني جرائم الإرهاب 1 ــ
القيام بأعمال عنف، أو الإشراف عليها، أو الأمر بها، أو
تسيرها، أو تمويلها، أو تشجيعها، أو التغاضي عنهاعندما
تكون هذه الأعمال موجهة ضد دولة أخرى وتستهدف الأشخاص، أو
الممتلكات وتكون ذات طبيعة كفيلة بإشاعة الإرهاب والخوف
وعدم الأمان في نفوس الشخصيات العامة، أو جماعات من
الأشخاص، أو الجمهور العادي أو السكان، لأي طبيعة أخرى قد
يتذرع بها لتبريرها.، 2 ــ جريمة بموجب الاتفاقيات
التالية :
أ ــ اتفاقية قمع الأعمال غير المشروعة ضد سلامة الطيران
المدني.
ب ــ اتفاقية قمع الإستلاء غير المشروع على الطائرات.
ج ــ اتفاقية منع الجرائم المرتكبة ضد الأشخاص المتمتعين
بالحماية الدولية، بمن فيهم الموظفون الدبلوماسيون،
والمعاقبة عليها.
د ــ الاتفاقية الدولية المناهضة أخذ الرهائن.
هـ ــ اتفاقية قمع الأعمال غير المشروعة ضد سلامة
الملاحة البحرية.
و ــ برتوكول قمع الأعمال غير المشروعة ضد سلامة المنصات
الثابتة القائمة في الجرف القاري.
3
ــ جريمة تنطوي على الأسلحة النارية، والأسلحة،
والمتفجرات، والمواد الخطرة متى استخدمت كوسيلة لارتكاب
الــعنف دون تــمييز مما ينطــوي على التسبب في وفــاة
أشــخاص، أو جماعات من الأشخاص، أو السكان، أو في إحداث
إصابات بدنية خطيرة لهم، أو إلحاق خطير بالممتلكات.
ثانياً : الاتجار غير المشروع بالمخدرات :
اجمعت الدول على خطورة جريمة الاتجار غير المشروع
بالمخدرات، وتجريمها، إلا أن بعض الدول تذرعت بأن نظر
المحكمة لجرائم الاتجار غير المشروع بالمخدرات، وما ينجم
عن التحقيق فيها من مشاكل وتعقيدات تؤدي إلى إرباك أجهزة
المحكمة كما تؤدي إلى إرهاقها من الناحية المالية لصعوبة
تتبع مثل تلك الجرائم .
وقد نص المشروع على تعريف لهذه الجريمة، بأنها : " لأغراض
هذا النظام الأساسي تعني الجرائم التي تنطوي على اتجار غير
مشروع بالمخدرات، والمؤثرات العقلية أيا من الأفعال
التالية يرتكب على نطاق كبير، وفي إطار عابر للحدود، ومن
هذه الأفعال على سبيل المثال :
1
ــ إنتاج أي مخدرات، أو مؤثرات عقلية، أو صنعها، أو
استخراجها، أو تحضيرها، أو عرضها للبيع، أو توزيعها، أو
بيعها، أو تسليمها أياً كانت الشروط ، أو السمسرة فيها، أو
إرسالها بطريق العبور، أو نقلها، أو استيرادها، أو تصديرها
خلافاً لأحكام اتفاقية عام 1961، أو اتفاقية عام 1961
بصيغتها المعدلة، أو اتفاقية عام 1971. حيازة، أو شراء أي
مخدرات، أو مؤثرات عقلية لغرض لممارسة أي نشاط من الأنشطة
المحظورة في الفقرة الفرعية.
ثالثاً : استخدام الأسلحة النووية :
أشارت الدارسة إلى استخدام الأسلحة النووية . ولقد أثير في
مؤتمر روما لعام 1998، تجاه تجريم الأسلحة النووية، عدة
تساؤلات، لا يمكن تجاوزها، منها : دوافع إصرار بعض الدول
على استبعاد الأسلحة النووية من قائمة الأفعال المجرمة ؟
إن الدول المعترضة على إدراج الأسلحة النووية ضمن ما يعد
من قبيل جرائم الحرب، بررت مناهضتها إدراج الأسلحة النووية
ضمن اختصاص المحكمة الموضوعي، لأنها ليست من أسلحة الدمار
الشامل، وهذه الحجة خاطئة، فقد وردت نصوص صريحة في وثائق
رسمية صادرة عن الأمم المتحدة تؤكد أن الأسلحة النووية هى
أحد أنواع أسلحة الدمار الشامل .
وقد كان مؤتمر روما لعام 1998، مناسبة سانحة لمنع سباق
التسلح الذي تتسع مساحته كل لحظة ( الهند، باكستان،
إسرائيل، إيران، سوريا )، لكن حسم هذه المسألة كان مؤسفاً
للغاية فقد ربحت مجموعة الدول المناهضة لإدراج الأسلحة
النووية، وخسرت البشرية جمعاء إمكانية وضع حد لأخطر سلاح
خصوصاً إذا لم ينجح المؤتمر الاستعراضي المرتقب في الخروج
بنص واضح، يقرر ضم الأسلحة النووية إلى قائمة جرائم الحرب،
وأن تكون موضع حظر شامل، وتلحق بالنظام الأساسي .
أما المطلب الثاني، فقد خصصته الدارسة لـ : "
الإشكاليات المتعلقة بنطاق المسؤولية الجنائية والعقاب "،
وقد تناولت ذلك في فرعين، الأول : " إشكاليات المسؤولية
الجنائية الدولية "، وهذه الإشكاليات حددتها من خلال
الفقرتين التاليتين :أولاً : المسؤولية الجنائية للاشخاص
المعنوية :1 ــ المسؤولية الجنائية الدولية للهيئات
المعنوية :
أختلفت آراء الفقهاء حول هذه الإشكالية، بين مؤيد،
ومعارض،وقد خصصتها الدارسة في اتجاهين أ ــ الاتجاه
التقليدي :
وهو توجه فقهي يقوم على رفض مسؤولية الأشخاص المعنوية
جنائياً، ويتأسس هذا الرأي على : 1. نظرية الوجود
الافتراضي .2. تعارض المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي مع
مبدأ شخصية العقوبة .3. تناقض تبني المسؤولية الجنائية
للشخص المعنوي مع مبدأ عدم معاقبة نفس الشخص عن نفس الجرم
مرتين .4. استحالة تطبيق كثير من العقوبات الجنائية، وأن
العقوبات الممكن إنزالها بالشخص المعنوي عاجزة عن تحقيق
الهدف الرئيس لتشريعها، وهو إصلاح المحكوم عليه، وإعادة
تأهيله بغرض إدماجه من جديد في المجتمع .ب ــ الاتجاه
الحديث :
ويرى أصحاب هذا الاتجاه ضرورة الاعتراف بالمسؤولية
الجنائية للشخص المعنوي ليس لاتساع وتشعب مجالات، وأنشطة
الأشخاص الاعتبارية فحسب، بل لحتمية التصدي لها عند تحول
تصرفاتها أو أنشطتها لشكل مخالف لقواعد القانون الدولي،
وبهذا الشكل يتم احترام مبدأ الشرعية وتصبح إمكانية إيقاع
العقاب عليها عند انحرافها أمراً ممكناً. وقد أختار أصحاب
هذا الاتجاه دحض حجج الجانب المعارض للاستدلال على صحة ما
أعتمدوه من رأي : 1- عم صحة الاستناد إلى نظرية الافتراض
التي هجرها الفقه، والقضاء المدني وتبني عوضا عنها نظرية
الحقيقة. 2- القول بخلو الشخص المعنوي من الإرادة يقود إلى
نتيجة غير منطقية، وهي عدم مسآلته مدنياً، إلا أن الواقع
ينفي هذه النتيجة من منطلق اعتراف القانون المدني بمسؤولية
الأشخاص الاعتبارية التقصيرية والعقدية. 3- القول بأن
مسآءلة الشخص المعنوي جنائياً تتنافى مع مبدأ التخصص،
قولاً لايتميز بالدقة، لأنه يؤدي إلى الامتناع عن مساءلته
مدنياً وبالتالي عدم تعويض الأضرار التي يتسبب بها بحجة
أنه أيضاً لم ينشأ لهذا الغرض. 4- ويرد على قول تعارض
مسؤولية الأشخاص المعنوية جنائياً مع مبدأ شخصية العقوبة،
بأن مسألة الأشخاص الطبيعيين الذين لم يساهموا في الجريمة
التي ارتكبها الشخص الطبيعي ليس معناه معاقبتهم عن فعل لم
يرتكبوه، بل هي من قبيل الآثار غير المباشرة، وهي تحدث على
مستوى مسؤولية الأشخاص الطبيعيين، كما في حالة إيقاع
عقـوبة على رب الأسرة، أو المعيل، فهي تنصب على من يعولهم
بطريقة غير مباشرة. 5- إن عدم إمكانية تطبيق معظم العقوبات
السالبة للحرية على الشخص المعنوي تعتبرمن الأسانيد
الضعيفة لوجود عدد من التدابير والعقوبات التي تتناسب مع
طبيعة الشخص المعنوي والتي تتناسب مع طبيعته مثل حله، أو
وضعه تحت الحراسة، أو وقف نشاطه، أو الحد من هذا النشاط، و
يمكن الحكم بتلك العقوبات منفردة، أو إضافة الغرامة إليها
في حالات تشديد العقوبة مثلاً، هذه كعقوبات أصلية، أما
العقوبات التكميلية، فيمكن النص على المصادرة، أو الإغلاق
. 6- أصبحت المسآءلة الجنائية للأشخاص الاعتبارية حاجة
يحتمها الواقع، فتطور الحياة الدولية بشتي مجالاتها سمحت
بنشوء أشخاص اعتبارية عملاقة عابرة للحدود بأعداد كبيرة
تتميز بإمكايات ضخمة، مما يجعلها مصدر اعتداءات جسمية على
البيئة والصحة، والنظام الاقتصادي، والنظام السياسي،
والاجتماعي، لدول عدة ومن ثم ترسيخ دعائم المسؤولية
الجنائية الدولية للأشخاص الاعتبارية ستزيد من فاعلية
العقاب. 7- أخيراً، فإن اعتبارات العدالة تقتضي مسآءلة
الشخص المعنوي وليس فقط الشخص الطبيعي (ممثله) فمادام
الشخص المعنوى يتمتع بإرادة مستقلة يجب أن يُسأل إلى جانب
مسآءلة الشخص الطبيعي، وسند ذلك أن الشخص الطبيعي (الممثل)
لم يرتكب الفعل إلا وفقاً للقرار الصادر عن الشخص المعنوي،
ويترتب عدم ملائمة مساءلة الشخص الطبيعي (الممثل) طالما
أنها لن تعاقب المجرم الحقيقي (الفاعل الأصلي) الذي لولا
إصداره، أو امره للممثل لارتكاب الجريمة لما ارتكبها، أو
تضطر المحكمة لإيقاع الحد الأدنى من العقوبة المقررة
قانوناً، على ممثل الشخص المعنوي.
2
ــ المسؤولية الجنائية الدولية للدولة :
حاول الفقهاء التمييز بين نوعين من الحرب، وذلك لتقرير
العقاب في الحالة التي تشكل جريمة دولية، فكان النوع الأول
هو الحرب العادلة، والثاني الحرب غير العادلة، وهى غير
مشروعة ، وينبغي تحريمها مطلقاً، وتجريمها في حالة وقوعها
. ومن نفس المـنطلق، نادى الفقيه ( غروسيوس )، بمساءلة
الدولة المعتدية، ورئيسها الذي أعلن الحرب جنائياً، وقد
واجهت فكرة ( غروسيوس ) مـعـارضـة كبيـرة من قــبـل
كــثـير من الـفــقـهـاء منــهـــم ( مارتينس )، ( تيفتير
)، و( تريبيل ) .
ولقد أشارت الدارسة إلى العديد من الآراء الفقهية، منها
رأي الفقيه ( دي فابر)، والذي أقر بمسؤولية الدولة وحدها
دون مسآءلة الأفراد عما يصدر عنهم من أفعال باسمها،
ولحسابها، إلا أنه تراجع عن هذا الرأي، واعتمد مبدأ
مسؤولية الأفراد جنائياً بمناسبة تعينه قاضياً في محكمة
نورمبرج .
أما الفقيه ( بوليتيس اليوناني )، فنادى بحصر المسؤولية
في الأفراد، واستثنى الدولة من المسؤولية الجنائية، بينما
تمسك الفقيه ( بيلا ) بذات فكرة الفقيه ( غروسيوس )
معتبراً أن المسآءلة الجنائية يجب أن تكون مزدوجة يخضع على
أساسها لعقاب الأفراد، والدولة على السواء.
ومما خلصت إليه الدارسة، ما أكده مشروع لجنة القانون
الدولي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة، حيث نصت المادة
التاسعة عشرة (19) من المشروع على نوعين من الجرائم
الدولية، الأولى : تعد جنحاً وتثير المسؤولية المدنية،
والثانية : تعتبر جنايات وتثير المسؤولية الجنائية . لذا،
فإن معيار تحديد المسؤولية مؤسس على خطورة الفعل المرتكب،
وجسامة الضرر المترتب عليه، فإذا كان الفعل غير المشروع من
ضمن طائفة الجنح الدولية، فإن المسؤولية مدنية تنشأ في
مواجهتها، ويحق للدولة المتضررة المطالبة بالتعويض، بينما
ارتكاب فعل من طائفة الجنايات الدولية يرتب المسؤولية
الجنائية، وعلى أساسها يحق للمجتمع الدولي ككل إثارة تلك
المسؤولية .ثانياً : ضوابط المسؤولية الجنائية :
عندما بدأت اللجنة الجامعة في مؤتمر روما لمناقشة المادة
السادسة والعشرين (26) المتعلقة بسن المسؤولية الجنائية،
ثار خلاف بين الدول المشاركة فيه بشأن مسؤولية الأشخاص ممن
هم دون سن الثامنة عشرة . وانقسمت الوفود إلى جانبين،
الأولى : يناهض مسؤولية الأشخاص الذين لم يبلغوا الثامنة
عشرة من العمر، ومن بين تلك الدول كانت ( السويد، المملكة
المتحدة، البرازيل )، ولعل أحد الأهداف التي يسعى إليها
هذا الجانب هو عدم السماح بحدوث تناقض بين نظام روما بعد
اعتماده، وبين اتفاقية حقوق الطفل . بينما يرغب الجانب
الثاني، باعتماد المسؤولية الجنائية على من هم دون الثامنة
عشر، وقد كانت الولايات المتحدة من ضمن الدول المكونة لهذا
الجانب . ولعل حجة أغلبية الدول فيما ذهبت إليه في كلا
الجانبين استنادها إلى التشريعات الوطنية، واختلاف تحديد
سن المسؤولية في كل تشريع .
|