|

أ. د رجب بودبوس
الكون : بيـن الفوضى والنظام
- 2
-
نحن ندرك العالم كما لو انه ساعة
،
تطيع قواعد ثابتة وعيانية ، هكذا ما وراء وعينا بالعالم
،
هناك تصورنا للعالم المتأثر بالعلوم الطبيعية
،
نحن لا ارادياً اطفال نيوتن ونظريته الميكانيكية وانطلاقا
من هذا نحن نسلم بدون تردد بأن السياسة والاقتصاد وعلم
النفس
،
علوم محكومة بقوانين علينا اكتشافها وان الذين
يحكموننا
يتصرفون كفني ساعات .. هذه النظرة الميكانيكية للكون
،
يقول لنا بريقو جين ، ليس لها اي سمة علمية ، انها نتاج
نظريات عفى عليها الزمن ولدت في
القرن السابع عشر ، وظلت لسوء الحظ تعلم في
المدارس
، يجب علينا تجاوزها وان نأخذ في
الاعتبار مندئذ علم الطبيعة المعاصر ، المؤسس على
الاحتمالية .
الكون
فوضى :
في
النموذج الكلاسيكي للعلم ، ذلك الذي يعلم في المدارس
قوانين الطبيعة حتمية وبسيطة الساعة افضل رمز لذلك ،
بحركتها الثابتة والمتوقعة دائماً .
في
هذا التصور ، المادة تطيع قوانيناً لكن الانسان في المقابل حر . من هنا ولد انقسام ثقافتنا
، ما بين علوم انسانية مثل التاريخ وعلم النفس وما بين
علوم دقيقة بالنسبة للاولى الزمن والاحداث تلعب دوراً
اساسياً اما بالنسبة للثانية فان القوانين لا زمانية .
في
بداية سنوات العشرين من القرن الماضي بدأ عالم العلم يشهد ثورة في
هذا التصور بواسطة الميكانيكا الكمية اننا نعرف انه في مستوى الالكترون الفيزياء الكلاسيكية لم تعد صالحة واننا
بدأنا هكذا ندخل في عالم اللايقين بنية المادة لم تعد
محددة بواسطة قوانين حتمية وإنما بواسطة نماذج احتمالية .
في
البداية كان التفسير السائد عند العلماء ، يقوم على ان الاضطرابات الملاحظة في
عالمهم الحتمى ادخلت فيه بواسطة الانسان انه الملاحظ هو
الذي يخلق عدم الاستقرار هذا ماكان معتقداً
لكن في نهاية القرن العشرين صرنا نعرف ان المادة غير مستقرة وان الكون الذي
نعتقده مستقراً له تاريخ هكذا، الاضطراب ليس في الملاحظ
وانما في المادة نفسها .
عالمنا
الطبيعي ليس ساعة ، انما فوضى لايمكن توقعها ، هكذا كل
النظريات الحتمية ، المؤسسة على تسلسل ضروري
للعلل والمعلولات جاءت تستبدل صارت تدريجاً بواسطة حساب الاحتمالات .
صحيح
يدقق بريقوجين اننا نستطيع دائماً ابتداء من التصور الكلاسيكي
، عند نيوتن توقع الوضع المستقبلي للارض في خمسة ملايين
سنة لكننا نعرف ايضاً ان هذه الحركات الدورية المستقرة هي
استثناء معظم الانظمة الديناميكية هي في الواقع غير مستقرة المناخ مثلاً
.
-
اثر النحلة يجعل الطبيعة غير متوقعة :
كيف بالامكان توقع حركة كوكب خلال قرن وليس المناخ في
الاسبوع القادم ؟
في
افضل الفرضيات خبراء المناخ ليسوا قادرين على التوقع ابعد
من اربعة ايام. الرأي العام يعتقد ، بما انهم يملكون ادوات
ملاحظة ، رصد متقدمة فأنهم يستطيعون اخبارنا بالمناخ خلال
ثمانية ايام او شهر هذا غير صحيح يقول بريقوجين المناخ من
حيث تعريفه غير قابل للتوقع انه نتاج مجموعة من عدم اليقين انه نظام ديناميكي
غير مستقر هذا يعني ان كل تغيير يحدث في مكان ما ، من
الكرة الارضية ، تكون له اثار مهمة هذا ما يدعوه بريقوجين
اثر النحلة ، خفقان جناح نحلة في بكين
، يمكنه ان ينتج نفخة هواء تتحول شيئاً فشيئاً لتعطي
اعصاراً في كاليفورنيا .
مثال
اساسي اخر يورده بريقوجين انه قطعة النقود عندما نلعب وجه
اوقفا ، فان القطعة تنتهي احصائياً بان تقع على جانب او
على اخر لنتخيل اننا بمساعدة عقل الى متقدم نستطيع حساب كل
مراحل حركة قطعة النقود هل نستطيع مقدماً تحديد الجهة التي
تقع عليها ؟ هذا غير ممكن يجيب بريقوجين الحساب مستحيل لان
لقطعة تمر من خلال مناطق غير يقينية في نظام ديناميكي غير
مستقر ، شرط بدئي يقود الى نتيجة وجه يمكنه ان يثماتل مع
شرط بدئي يقود الى نتيجة : قفا.
هكذا فرص سقوط القطعة على وجهها تعادل فرص سقوطها على
قفاها.
بريقوجين
يستعير مثالاً من التاريخ المقدس ، السنوات السبع بقرات
سمان التي تتداول مع سبع سنوات بقرات عجاف كما توقع
يوسف في تأويله حلم فرعون ان فيضان النيل الذي يجري قياسه منذ الاف السنين لو اخضعنا تحليله للعقل الآلي
.، فإنه سوف يظهر ان هذا الفيضان لايمكن توقعه وانه فوضى
بطبيعته توقعه يتطلب كمية هائلة من المعلومات هذه لايمكن
توفيرها وما يتوفر منها ليس
يقينياً .
بعض الاقتصاديين توصلوا الى نفس الخلاصة حول حركة الاسعار
وحول مسار البورصة الملاحظ خلال فترة طويلة هكذا يوجد في ظواهر البورصة المعادل لاثر النحلة
.
صفقة غير ذات شأن في بورصة طوكيو يمكنها ان ترتب انهياراً في بورصة نيويورك وهذا الانهيار من حيث تعريفه لايمكن توقعه مقدماً
.
البورصة
هكذا تعطي مثلا عن الفوضى
انطلاقاً
من هذه الامثلة البسيطة كل تصور حتمى للكون ينهار
، باختصار الصدفة جزء من الواقع الطبيعي المادة كما الحياة لهما سمة الحذاتة وعلى خلاف ما
يعتقده اينشتاين ، فان بريقوجين يعتقد ان (الله يلعب قمار
) .
-
كيف يولد النظام عن الفوضى ؟
ماهو موقف العلماء في مواجهة هذا الحضور الدائم للصدفة في
مكان القوانين الحتمية ؟
يجيب
بريقوجين : انه الاندهاش ، العالم يندهش لان الفوضى تقود ،
رغم كل شئ الى بني منظمة . اينشتاين لاحظ ان المدهش اكثر
في عالمنا اننا نستطيع ان نفهم فيه شيئاً
ما . هذا النظام الذي يولد عن الفوضى هو الصيغة التي تلخص افضل العلم الحديث وهذا صالح في
كل المجالات.
في مجال تخصصه : الكيمياء والفيزياء ، اكتشف بريقوجين مادعاه البني
المستقرة اوضاع عدم التوازن الكيميائي لاتقود دائماً الى فوضى انها تسمح
، احياناً بظهور تلقائي للتنظيم او بني منظمة تماماً وهذه
البني تستهلك طاقة اكبر من التنظيم السابق الذي حلت محله .
الفيزياء
التقليدية تجعل النظام في هوية مع بني التوازن نموذج هذا التصور كان الكريستال وعلى العكس
ترى في عدم التوازن تهديداً للنظام لكننا نعرف يقول
بريقوجين ان عدم التوازن يمكنه ان يقود الى اللانظام كما
يمكنه ان يقود الى النظام .
على كل حال نموذج عدم التوازن ، مجرد بالطبع لكن اليس وفق هذا النموذج
يعمل كل العالم : فوضى .. نظام .. فوضى .. نظام .. وفي كل
مرحلة استهلاك اكبر للطاقة .
لكن
اذا ليس ثمة يقين : يمكن ان الفوضى تولد نظاماً ويمكن الا تفعل إذن الفوضى ليست بالضرورة خلاقة للنظام ان ادعاء ان الفوضى
تقود
ضرورة الى نظام يناقض مفهوم الفوضى لانه
يتأسس عندئذ على يقين ، هذا نقيض الفوضى : مع الفوضى ليس
هناك يقين .
-
الفوضى مبدأ عام ؟
ماهو
صحيح وقابل للتحقق منه ، في مستوى رد فعل فيزيائي كيميائي هل يمكن تعميمه ؟ بنية اللاتوزان هل هي
مبدأ كلي جديد ؟
بالنسبة لبريقوجين الكون ولد عن فوضى بدئية ، انفجار حدث
منذ خمسة عشر مليار سنة ، انتظم في مجرات و كواكب الحياة
نفسها ولدت عن صدفة الانتقاء الطبيعي
، وتتقدم نحو تنظيم اكثر وتعقيد اكثر دائماً .
وماذا عن الاقتصاد ؟
الاقتصاد
ايضا يعمل وفق هذا النموذج : من مجموع النشاطات الفردية
، غير المنظمة يظهر النظام الاجتماعي والتقدم الاقتصادي .
مصير الامم ايضاً يتكبد اضطرابات ، والتي بعد تأرجحات كبرى
- حركة الناس ..صراعات - تقود الى نظام اجتماعي جديـــد والذي يتطلب مزيداً
من موارد الطاقة .
بريقوجين
يلاحظ كم ان الهوة هائلة بين هذا التحليل للمجتمع المبني
على الفوضى وبين الخطاب المستخدم عادة من الطبقة السياسية
عندما نستمع اليها نعتقد ان الحكومة تسيطر على الموقف وان
بامكانها الوصول الى النتائج المنتظرة ، اذا اعطيت الوسائل
اللازمة هذا الجهل السياسي يراه بريقوجين انتاج تخلف عام في
التعليم والذي يسجن الرأي في نظام عفى عليه الزمن نظام
ميكانيكا نيوتن .
في الوقائع تصور هذا العالم القابل للتوقع والادراك كما
لو كان ساعة يناقضه نموذج بريقوجين
.
يمكن
ايراد امثلة عديدة اشتعال حرب
1914
بسبب حمادثه الاغتيال التي وقعت في ساربيفو . اليس هذا
برهان ساطع على اثر النحلة ؟
بريقوجين يدحض التفسيرات الحتمية النيوتونية مثلا انهيار
البورصة في اكتوبر عام 1987 اذا صدقنا الخبراء انخفاض
اسعار البورصة ترتب ضرورة عن انخفاض الدولار وهذا نفسه
نتاج عجز الميزان التجاري الامريكي .
في الحقيقة تفسير هذا الحدث يرجع الى اثر النحلة ، هذا الانهيار كما
غيره كان من حيث تعريفه غير قابل للتوقع بما في ذلك
بالنسبة لخبراء المالية الذين زعموا انهم توقعوه ، وهذا ان
حدث كان مجرد حظ .
في
رأي بريقوجين النظام يولد عن الفوضى ، هو اذن قانون لكن
اليس طموحاً مبالغاً فيه ارادة العبور من نموذج علمي
الى نظرية اجتماعية ؟
-
علم الفوضى ملعون :
ان
بريقوجين يذهب ابعد من هذا ، ذلك لان طموحه المعلن هو جمع
كل المجالات ، من جديد ، في مجموع متناسق واحد
، تشتت المعارف ، يفسر القطيعة الكبرى بين العلوم
الانسانية وبين العلوم الطبيعية هذه القطعية تأتي من ان
علماء الاجتماع يتحدثون عن تاريخ بينما علماء الطبيعة
يعدون قوانين ابدية .
لكن
في علم الفوضى الجديد الذي يقترحه بريقوجين هذا التعارض
يختفي بالقدر الذي فيه الظواهر الطبيعية ايضاً لها تاريخ ولا تطيع اذن قوانيناً
ثابتة .
هكذا
من الطبيعي ان نزاعاً كبيراً يجعل انصار الحتمية في تعارض مع بريقوجين بالنسبة لانصار الحتمية
يكون علمياً ما يمكن توقعه هكذا النظام الفوضى عند
بريقوجين يبدو غير قابل للتوقع بالقدر الذي
فيه معارفنا لا تسمح لنا بتوقعه .
مايراه
بريقوجين فوضى ليس الا بسبب النقص في معارفنا .
بريقوجين
يعلن هذا زائفا . الفوضى بطبيعتها لايمكن توقعها .
لانه
يجب لكي نتوقعها ان يكون لدينا كمية لامتناهية من
المعلومات وهذا يمنع كل توقع
.
بريقوجين يرى ان من الغريب ان من يوصف بالعقلاني يتمسك بمبادئ صارت متناقضة هناك عدد من العلماء بقوا متمسكين جداً
باديولوجيات ماقبل علمية وبالمفارقة تبنوا تفسيرات دينية
سائدة ، حول اصل الحياة الزمن والكون مثال عن هذا التأثير
الاديولوجي على العلم ما
يدعى ( الانفجار الكبير ) .
( Big Bawg)
وهي نظرية ليست مؤكدة .
نظرية
الانفجار الكبير ، تريح الجميع ، المؤمنين وغير المؤمنين
لانها نوع من المعجزة العلمانية تشير الى ان هناك كانت
بداية للزمن وللكون اذن هناك خلق ولم لا ايضاً وجود خالق !
بريقوجين
يرى في الحقيقة ان الزمن موجود قبل الانفجار الكبير . هذا حدث غير محتمل ظهر في
عالم في حالة عدم استقرار دائم : تاج الفوضى . من وجهة
نظره الزمن غير مخلوق ، وليس هناك خلق على الاطلاق العبور .من ما قبل العالم الى العالم الحالي
، جرى بشكل متواصل لكن وفق بريقوجين قلة من العلماء وقلة
من الفلاسفة يقبلون الاخذ في الاعتبارالاكتشافات الاكثر
حذاثة في نظرتهم للكون علم الفوضى صار ملعوناً
ولا يجرى الحديث عنه خوفاً من الكشف عن اسرار.
طموح بريقوجين مع ذلك يندرج في
التقاليد الاوروبية لباحث يبحث عن الكلى.
في
عام 1715 ليبنتز الرياضي الالماني ، ونيوتن الفيزيائي
الانجليزي كانا يتراسلان بانتظام حول وجود الله وحول
قوانين الكون وقريباً منا بعد ذلك الالماني اينشتاين كان
يتبادل مع الفيزيائي الدانمركي نيل بوهر ، وجهات نظر مماثلة حول دور الحتمية والاجتماعية
.
التقنيات تقدمت جداً لكن الانشغالات ظلت هي نفسها ذلك لانه في
اوروبا ، وحدها تطورت العلوم ليس كلعبة عقلية او ممارسة
مفيدة عليا، وانا كباحث شغوف عن الحقيقة لكن من سوء الحظ
يلاحظ بريقوجين هذه الجماعية العقلية لم يعد لها وجود لم
يعد العلماء الاوروبيون يتبادلون الاراء فيما بينهم كل
عالم كل باحث يعيش سجين مجاله اولا
يعرف ويهتم الا بما يحدث في الولايات المتحدة الا يشير هذا
الى نوع من التبعية العلمية ؟ وهو ما يثير غضب بريقوجين .
اما
بالنسبة لمغامرات بريقوجين خارج مجاله الاصلي ومحاولته وضع نظرية اجتماعية علم الفوضى فانها تثير
غضب عدة علماء فلاسفة كل واحد في مجاله ( هو احد المبادئ الكبرى في
العلم اليوم والذي لا يحظى باحترام بريقوجين) .
الاوساط
العلمية ليست متسامحة معه ، ولا تغفر له بسهولة وخاصة عالم الرياضيات الفرنسي
: رينية توم الذي بالنسبة له لا وجود لعلم الفوضى .
هامش
:
اليابريقوجين
معروف عالمياً
من خلال بحوثه حول بني
اللاتوازن شارك مع ازابيل ستينجر في
كتاب شهير ومثير للجـدل حول فلسفة العلوم (الحلف الجديد)
.
روسي
الاصل هاجر من روسيا الى بلجيكا عام 1921 وعمره اربع سنوات
تحصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1977 ، افكاره حول
العلم وحول الكون مثار جدل يجمعها عنوان واحد هو علم
الفوضى . راجع : فني سورمان : المفكرون الحقيقيون في
عصرنا ص 45-57.
|