بقلم : محمد عمر بعيو

    

 

 

ماذا لو ركب الفلسطينيون البحر أو اقتحموا الحدود ؟!

 

وكالة عربية للعودة الفلسطينية

 

.. من رحم أسطورة " ارض الميعاد " التي لا أساس لها على الإطلاق ومن تداعيات الهولوكست وأتون محارق النازية في " اشوتيز " ولدت دولة إسرائيل المغتصبة الظالمة العنصرية - ومن حقيقة فلسطين التاريخية الكنعانية العربية الإسلامية ومجازر عصابات شتيرن والهاغاناه وكاخ والبالماخ وجيش الدفاع الإسرائيلي. من دير ياسين ودير البلح حتى غزة لم تولد دولة ولم تتم العودة إلى الوطن.

ومادامت تعذرت استعادة الوطن ولا يمكن إقامة دولتين في وطن واحد وتعطلت ولو حين فرص إقامة الدولة الديمقراطية الواحدة التي تجمع الفلسطينيين بمسلميهم ومسحييهم والإسرائيليين - فماذا بقي أمام ملايين اللاجئين الفلسطينيين من خيارات؟

يوم الجمعة القادم 15 الماء (مايو) تمرُّ واحدة وستون سنة على مأساة فلسطين أو على وجه الدقة الجزء الأول من المأساة المتمثل في احتلال القسم الأكبر من فلسطين عام 1948 وإعلان ديفيد بن غوريون وزعماء العصابات الصهيونية قيام ما يسمَّى دولة إسرائيل فيما الجزء الثاني من مأساة الاحتلال حدث منذ اثنثين وأربعين سنة وتحديداً في 5 الصيف (يونيو) 1967 يوم ضاعت من بين أيدي الأردن ومصر الضفة الغربية وقطاع غزة دون أن ننسى هضبة الجولان السورية - وبهذا تكون مأساة الاحتلال والتشريد قد تكاملت على الأرض بينما استمرت ولا يبدو أن لها نهاية قريبة مآسي القتل والتدمير والاستباحة والطرد والهدم.

ستة عقود مرّت رحل خلالها معظم الذين تحولوا إلى لاجئين في بداية المأساة وحتى الذين هربت بهم أمهاتهم رضّعاً أو أجنة تجاوزوا الستين عاماً وخرجت من أصلابهم وأرحامهن أجيال جديدة لم تعرف فلسطين ولم تحمل منها ذكريات شخصية ولا تحمل تجاهها سوى مشاعر حسرة وأسى موروثة من الآباء والأجداد وخيالات من حكايا الجدات في شتاء المنافي وصقيع المهاجر ولظى الظلم والبؤس وانطباعات سمعية وبصرية آتية عبر الأثير ورغم استقرار اللاجئين الفلسطينيين القسري في بلدان ليست بلادهم فلا يزالون يعايشون مأساتهم ويعيشونها كل يوم ليس فقط عبر تواصلهم مع وطنهم المغتصب وأهلهم في الداخل بل مع شعورهم بالغربة واللا انتماء في أوطان غيرهم عربية كانت أو اجنبية خاصة مع ما يلحق بهم من أذى وظلم وتمييز حتى في الدول العربية الشقيقة التي تبتدع مجتمعاتها وحكوماتها كل يوم الوسائل لتعذيبهم وتنغيص حياتهم تحت زعم عدم مساعدتهم على الاستقرار النهائي في الملاجئ والمنافي استعداداً ليوم عودتهم إلى أرضهم ومن يبحث عن أدلةٍ دامغةٍ على هذا التعذيب بل والاحتقار والمعاملة غير الطبيعية فليذهب وليسأل أو على الأقل ليقرأ عن أحوال الفلسطينيين في مصر وسوريا والأردن وعن أسوأ ما يحدث لهم في أي مكان وأقصد في العراق ولبنان وليست أحوالهم في بقية الدول العربية بأفضل إلا قليلاً - ولا يكاد يوجد نظام عربي إلا واستخدم الفلسطينيين اللاجئين لديه في معاركه الداخلية والخارجية وبتواطؤ مع المنظمات الفلسطينية نفسها بل إن بعض الفلسطينيين وجدوا أنفسهم في مواجهة بعضهم في معارك الأنظمة العربية ومؤامرات أجهزة مخابراتها حتى إذا ألقت أنطمة العرب إلى أرض الهزيمة آخر ما على عاتقها من أسلحة أو مزاعم المقاومة والتحرير وأصدرت قرارها الخطير قبل عدة سنوات بتقديم ما يسمى مبادرة السلام العربية لم تتضمن ما ينص على حق وضرورة عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم أو حتى إلى أي جزء من فلسطين يمكن استعادته ليس بالتحرير وطرد المستوطنين بل بالمفاوضات والاتفاقات كما حدث في ما يسمى بسلطة الحكم الذاتي وخطة غزة أريحا أولاً التي أصبحت أولاً وأخيراً بعد قبول جميع فصائل العمل السياسي والمسلح الفلسطينية علنياً أو سرياً صراحة أو ضمنياً بخارطة الطريق وبإنشاء دويلة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967 ومطالبة إسرائيل بالعودة إلى حدود 4 حزيران 1967 وهو ما ترفضه المؤسسة العسكرية الحاكمة فعلياً في إسرائيل والمؤسسة السياسية التي أخرجت أسوأ ما في جعبتها من القادة السياسيين ليتولى رئاسة الوزراء " النتن ياهو " قبل أن تبرد نيران غزو غزة وقبل أن تتم إزالة ركام المباني المهدمة بقنابل أمريكا الممنوحة مجاناً لإسرائيل وقبل أن يتفق الساسة الفلسطينيون من فتح وحماس والذين لن يتفقوا على تشكيل حكومة موحدة فالاختلاف حول من يكون رئيساً للوزراء فياض الفتحاوي أم هنيّة الحمساوي يبدو أكبر من الاتفاق على فلسطين الوطن والشعب والقضية.

يمضي قطار الزمان بسرعة وتضيق الخيارات أمام الفلسطينيين والعرب ولم يتبق سوى انتهاج خيارات جديدة أكثر واقعية رغم أنها قد تكون أكثر خطورة أو أكثر كلفة فلماذا لا تجرب قوى الشتات الفلسطيني خاصة الشباب القيام برحلات عودة إلى أي جزء من فلسطين غير موافق عليها من الدول العربية والعالم كأن يندفعوا إلى اقتحام الحدود والبوابات والمعابر في اتجاه الضفة وغزة وليس العكس وأن يركبوا البحر نحو شواطئ فلسطين تحت سمع وبصر العالم فذلك أفضل مهما كانت قسوته من هذا الموت البطئ والبقاء العبثي والدبلوماسية العدمية وإلى متى تبقى جيوش العرب وبوليسهم مجرد حراس لإسرائيل مباشرة أو بالمشاركة مع قوات الطوارئ الدولية ومادامت حكومات مصر وسوريا ولبنان والأردن غير قادرة أو غير راغبة في الدخول بصراع مع العدو وهذا حقها ومسئوليتها ولها في منطقها هذا وسياساتها مبررات موضوعية لابد من تقديرها وتفهمها مرحلياً على الأقل فليس أقل من ترك الفلسطينيين يعبرون باتجاه وطنهم دون إطلاق الرصاص عليهم وهذه ليست دعوة للانتحار لكنها دعوة للمبادرة وكسر الصمت ولفت الأنظار وأكاد أراهن أن الأمور لن تكون بعدها أسوأ مما هي عليه الآن - أما الدول العربية فلماذا لا تبادر بإنشاء وكالة للعودة الفلسطينية تعمل مثلما عملت الوكالة اليهودية منذ قرن وحتى وقت قريب ولكن بالعكس فوكالة اليهود عملت على اقتلاعهم من أوطانهم وترحيلهم أوتهجيرهم إلى أرضٍ ليست لهم فيما وكالة العرب تعمل على إعادة الفلسطينين إلى أرضهم بالمال والدعم وكل الوسائل. إنها دعوة للخروج من العبثية تحت زعم الواقعية إلى خيارات أكثر عملية وأكاد أجزم أنها ستكون أكثر تأثيراً وإيجابية.

  

      الرجوع الى اعلى الصفحة