|
منذ
سنوات طويلة ومع انتشار ظاهرة الثورات عرف العالم ذلك
الشعار القائل:- ( الثورة كالقطّة تأكل أبناءها )،
ورغم أن الثورات ليست قططاً وأن القطط ليست مخلوقات
عاقلة لتحاسب على أفعالها التي لا دافع لها سوى
الغريزة ، فقد اكتفى الناس عوّامهم ومثقفوهم بتلك
العبارة لتفسير ظاهرة تساقط الرموز والشركاء في كثير
من الثورات ناسين حقيقة أن الصراع على السلطة أو
التسابق إلى احتكار السلطة هو التفسير الحقيقي إن لم
يكن كله فيكون جُلّه.. ذلك زمن مضى وصرنا في زمن أصبحت
فيه الثورات تأكل نفسها وهي ظاهرة لا توجد في عالم
الأحياء غير العاقلة وإن وُجدت فلا يوجد فيما هو معروف
حتى الآن من يأكل نفسه حتى الموت سوى بعض الثورات وهذه
ظاهرة لا علاقة لها بالتآكل الذي تعانيه ثورات شعبية
كبيرة بفعل الزمن أو تداول الأجيال أو التآمر والإهمال
أو الأخطاء والخطايا وسوء النوايا والأفعال .
أجد نفسي متشبثاً
بهذا التحليل إذ أشاهد مثلما يشاهد العالم ما تشهده
إيران من أحداث وتفاعلات تبدو في ظاهرها صراعاً على
السلطة مثلما تبدو تمرداً ضد السلطة أو ردود أفعال على
فعل القسوة الذى تمارسه السلطة عبر المنظمات الأمنية
وشبه العسكرية (الباسيج والباسداران) ومثلما يصف
المعترضون خروجهم إلى الشارع بأنه رفضٌ لظلم المؤسسة
الحاكمة وعدم نزاهتها في إحصاء الأصوات الانتخابية
وتغليب مرشح واحد على عدة مرشحين آخرين معتبرين فعلهم
الصارخ واحتجاجهم السلمي ثورة شعبية عفوية يدعمها معظم
الشعب أو الشعوب في إيران - فإن السلطة تعتبر الخروج
إلى الشارع تمرداً مبرمجاً وتآمراً محلياً وخارجياً
على الثورة والسلطة والشريعة والشرعية، ومهما تكن
حيادية المراقب أو حتى لا مبالاته بمن يرأس إيران
انتخاباً أو اغتصاباً فإن الدماء التي سالت على
الأرصفة والطرقات تثير الآلم والغضب والأسى أياً كان
القاتل وكائناً من كانت الضحية مثلما تخصم من رصيد
ثورة بدأت شعبية وها هي تأكل شعبها أي أنها أي أنها
ببساطة تأكل نفسها انتخاباً واضطراباً، وسط كل هذا
الضجيج يبقى عاملٌ أساسي لم يلتفت إليه أحد هو أن
الصراع صراع ثقافات تتضاد وتتناقض في العقول والواقع
ويستحيل أن تجتمع في صناديق الاقتراع وإن توهمت ثورة
إيران غير ذلك.. منذ متى تولد من أرحام الأوهام حقائق. |